محسن باقر الموسوي

365

علوم نهج البلاغة

فأما الجزالة فمنها قوله لأصحابه : « تجهزوا رحمكم الله فقد نودي فيكم بالرحيل ، وأقلّوا العرجة على الدنيا ، وأخرجوا منها قلوبكم من قبل أن تخرج منها أبدانكم ، ففيها اختبرتم ولغيرها خلقتم ، فقدموا بعضا يكن لكم قرضا ، ولا تخلفّوا كلا ، فيكون عليكم كلا » . فانظر إلى هذا الكلام ما أجزله ، وما أوضحه لبيان ما اشتمل عليه وتناوله . وأما الرقة : فمنها قوله عليه السّلام : « اللهم احقن دماءنا ودماءهم ، وأصلح ذات بيننا وبينهم واهدهم من ضلالهم حتى يعرف الحقّ من جهله ، ويرعوي عن الغيّ والعدوان من لهج به » . وقوله عليه السّلام في بعض مناجاته : « اللهم صن وجهي باليسار ولا تبذل جاهي بالإقتار ، فأفتن بحبّ من أعطاني ، وأبلي ببغض من منعني ، وأنت من وراء ذلك كله وليّ الإعطاء والمنع ، إنك على كل شيء قدير » . وله عليه السّلام في تعليم الحرف والوعظ ، وتذكير الآخرة من الفخامة والجزالة ، وفي الرقائق ، في تعليم معالم الدين ، وإرشاد الخلق إلى مكارم الأخلاق ، كلام بالغ ووعظ زاجر ، ما لا يوازيه كلام ، ولا يساوي نظمه وإن انتظم أيّ نظام . ثم يقول : وإن كان المعنى رشيقا كان اللفظ رقيقا سهلا كقوله عليه السّلام : « فكأنكم بما قد أصبحتم فيه عن الدنيا لم يكن ، وربما تصيرون إليه من الآخرة لم يزل » . ثم يضع كلام أمير المؤمنين بالمرتبة الثالثة من الإعجاز البلاغي بعد القرآن والسنة : ولنورد من كلامه أمثلة ثلاثة على مثال ما أوردناه من السنة النبوية والقرآن الكريم ، لأنّ كلامه عليه مسحة وطلاوة من الكلام الإلهي ، وفيه عبقة ونفحة من الكلام النبوي . وبعد ذلك يعتب على الأدباء والبلغاء الذين لم يسنفيدوا من كلام أمير المؤمنين عليه السّلام ومن عرف كلام الفصحاء في منظومهم ، ومنثورهم ، ومقامات البلغاء في خطبهم ومواعظهم بعده عليه السّلام إلى يومنا هذا غير كلام الله وكلام رسوله ، علم قطعا لا شك فيه أنهم قد أسفّوا في البلاغة وحلّق ، وقصروا في الفصاحة وسبق ،